عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

329

اللباب في علوم الكتاب

الطاعة وإن عصوا ، ولأن قوله : « يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا » ، أي : لكي لا تعودوا لمثله ، وذلك يدل على الإرادة ، وتقدم الجواب عنه « 1 » مرارا « 2 » . فإن قيل : هل يجوز أن يسمى اللّه واعظا لقوله : « يَعِظُكُمُ اللَّهُ » ؟ فالأظهر أنه لا يجوز ، كما لا يجوز أن يسمى اللّه معلما لقوله : « الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ » « 3 » » « 4 » . قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 19 ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ » الآية . لمّا بين ما على الإفك وعلى من سمع منه وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله : « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ » ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا كما شارك فيه من فعله « 5 » . والإشاعة : الانتشار ، يقال : في هذا العقار سهم شائع : إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلا . وشاع الحديث : إذا ظهر في الجميع ولم يكن منفصلا . وشاع الحديث : إذا ظهر في العامة « 6 » . والمعنى : « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ » أن يظهر ويذيع الزنا « فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » يعني : عبد اللّه بن أبي وأصحابه المنافقين والعذاب في الدنيا : الحد . وفي الآخرة : النار . وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة . والآية إنما نزلت في قذفة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب « 7 » ثم قال : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » وهذا حسن الموقع في هذا الموضع ، لأن محبة القلب كافية ونحن لا نعلمها إلا بالإبانة ، وأما اللّه - سبحانه - فإنه لا يخفى عليه ، وهذا نهاية في الزجر ، لأن من أحبّ إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن اللّه يعلم ذلك منه ، ويعلم قدر الجزاء عليه « 8 » . وهذه الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم ذنب ، وأن إرادة الفسق فسق ، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبّة إشاعة الفاحشة . فصل : [ في قول المعتزلة : إن اللّه بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ] قالت المعتزلة : إن اللّه بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ، فلو كان تعالى هو

--> ( 1 ) في ب : فيه . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 182 . ( 3 ) [ الرحمن : 1 ، 2 ] . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 182 . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 183 . ( 6 ) المرجع السابق . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 184 . ( 8 ) المرجع السابق .